
النوم نعمة عظيمة والأرق اللعنة التي تطارد النوم وتصرفه عنا، كلنا نحتاج إلى النوم ولكن الحياة بها من المشاغل والتفكير ما يجعلها تستقبل رغماً عنها ضيف غير مرغوب به، إنه الأرق الذي ينتشل النوم من عينيك مهما كنت متعباً وتشعر بالنعاس..
الأرق ذلك العدو الخفي الذي لا نستطيع الإمساك به وبرحه ضرباً بل إنه هو الذي يجعلنا نتقلب على فرشنا وكأننا لحم يشوى على الجمر..
وخلال هذا كله يتراءَ لنا النوم كحلم جميل يصعب الإمساك به، كسراب يتراءَ للعطشان في الصحراء الحارة المقفرة..
وأنا ككل البشر عانيت فترة من الأرق.. ليس ما أحكيه هنا مجرد قصة نسجها خيالي الخصب كالعادة بل إنها قصة حقيقية حدثت معي وإن كانت أقرب للخيال منها إلى الواقع، إلا أنها بالفعل قصة واقعية غريبة حصلت معي بحذافيرها وهي تعكس جزءاً يسيراً من عالم أحلامي الغريب..
بقيت أياماً عدة أعاني من الأرق وكنت في أمس الحاجة إلى النوم ولكن بلا فائدة تقلبت على فراشي، طرحت التفكير من رأسي.. أخذت أفكر في اللاشيء ولكن بدون جدوى..
حتى جاء يوم كنت فيه شديدة النعاس منهكة القوى فاستلقيت على فراشي الوفير واحتضنت لحافي وأخذت برجاءٍ شديد أفكر بطريقة أستدعي بها النوم ليزورني..
وهنا تخيلت وأنا لا أزال في عالم اليقظة بأن النوم فتاة صغيرة بحجم الكف، هيفاء القد رقيقة الملامح، جميلة كالفراشات، شفافة كالمياه العذبة، ترتدي ثوباً أرجوانياً يتطاير في الهواء وشعرها الأسود الطويل الناعم يتناغم مع تحركاتها وهي تطير بخفة بجناحين شفافين كالنحلة.. وتلك الفتاة الجميلة التي تمثل النوم بل هي النوم كانت مقصدي فأخذت شبكة صيد مخصصة للفراشات ورغبت بأن أصطادها لكي أحصل عليها أو بمعنى آخر أحصل على النوم وأحظى به وأنعم بامتلاكه..
ابتسمت لجمال الفكرة وأنا أرى بعين الخيال تلك الفتاة الجميلة أو ذلك النوم العذب وهو يطير أمامي برقة مدهشة وفجأة دخلت في عالم النوم الحقيقي وغبت عن عالم اليقظة وغصت في عالم الأحلام ، لأرى نفسي في أرض مقفرة وسماء سوداء صافية وفي سكون ذلك الليل وجدت نفسي في أزقة تعود لمباني مهدمة قديمة ولا أثر للبشر فيها وهناك خلف أحد الأسوار المتهدمة وقفت أحمل في يدي شبكة صيد كبير مخصصة للأسماك وأخذت أقف بترقب وكنت حينها أملك عيني صياد حادتين وأهمس برتابة ومكر وكأنني منوم مغناطيسي متمكن قائلة:
-تعال يا نووووووووووووم..
وهنا ويا لدهشتي خرج النوم من خلف أحد الجدران..
لا.. لا..
لم يكن فتاة صغيرة جميلة..
بل كان بطول قامة الإنسان المعتدل الطول، وكان لونه أسود حالكاً كالليل البهيم، ولم يكن يشبه البشر في أي حال من الأحوال بل إنه أشبه ببيضة عملاقة ومن المؤكد عملاقة بالنسبة للبيض ولكن بالنسبة لنا فهو في قامة الإنسان كما قلت سابقاً، والعجيب بأن تلك البيضة الكبيرة السوداء.. احم.. احم.. أقصد النوم كان له قدمين صغيرتين مما جعله من الأسفل مستقيم وليس بيضاوي وكانت قدماه بلا ساقين وترتدي حذاءً رياضياً أبيض مما جعله يبدو عصرياً جداً..
أما ملامحه فهو وبالرغم من كونه كالبيضة إلا أن له عينان دائريتان طفوليتان وفم دائري مزموم في دهشة وذعر..
وكما لاحظتم في البداية يظنه المرء أنه مرعب ولكن عندما تلتقي العين بعينيه تكتشف مدى براءته وسذاجته.. ولأنه ساذج وأنا في الحلم ماكرة، فقد أعدت النداء بشكل عميق وأنا أقول وأصابعي تشد على الشبكة التي أنوي اصطياده بها:
-تعال يا نوووووووووم..
ومن خلف الجدار المهدم ركض النوم ركضةً أشبه بطائر البطريق وصوت قدميه مثل هكذا(طقطقطقطقطقطقطقططق) واختبأ في ذعر خلف السور المقابل له..
عضيت على شفتي في غيظ وقلت بصوت عميق بدأ الصبر ينفذ منه:
-تعال يا نووووووووم..
ولكنه خرج من خلف ذلك السور وأخذ يركض هارباً مني نحو حائط آخر..
حتى في الحلم أبى أن أحصل عليه!.
ولكن الغريب في الأمر وبرغم أنني لم أصطاده إذ انتهى الحلم فجأة وغصت في أحلام أخرى إلا أنني نمت بعمق..
بعمق لأنني كنت بالفعل أحلم وأغط في النوم وكأنني اصطدت النوم فعلاً برغم العكس..
والأغرب من ذلك بأن الأرق هجرني وغادرني بلا رجعة والحمد لله..
وأصبحت خلال ذلك الأسبوع كلما أويت لفراشي لكي أنام أتذكر النوم بوجهه الطفولي المذعور وشكله الشبيه بالبيضة، وأتذكر الحذاء الرياضي الذي كان يرتديه، وعند ذلك الحد من ذكرياتي كنت ابتسم براحة وأنام..
أشعر الآن وبعد ذلك الحلم المضحك والغريب بأنني أصبحت أعرف النوم بشكل شخصي، وأعرف بأنه تلطف على وأصبح يزورني كل ليلة برغم أنني لم أصطاده..
من قال أن النوم شيء غير محسوس؟!. ألم أره؟..
ومن تكلم عن الأرق؟!. ألم يغادر إلى غير رجعة؟..
ترى هل ضربه النوم بيديه الصغيرتين المتعلقتين في ذراعين صغيرين لا يكادان أن تراهما العين؟!..
لم لا؟!..
ربما..
في عالم الأحلام كل شي يجوز..
والآن كلما شعرتم بالأرق ما عليكم سوى أن تتخيلوا النوم بالشكل الذي وصفته لكم وتخيلوا أنفسكم تمسكون بشبكة صيد كبيرة وليست المخصصة للحشرات فحجم النوم كبير، وحينها اهمسوا بصوت عميق قائلين:
-تعال يا نوووووووم..
حينها ستغطون في نوم عميق والأرق سيهجر مضجعكم تماماً بإذن الله...
..تمــــــــــت..
**********************
20 التعليقات:
ماشاء الله فكرة مجنونة وخيال عجيب لا أستغرب ذلك طالما انه خرج من عقل مبدع مثلك فالمبدع لا يفكر إلا بطريقة مميزة وغريبة ولا تكون أفكار المبدعين إلا أفكار مجنونة وإلا ما تميزوا على باقي الناس
واصلي جنونك وابداعك فخيالك ساحر
وانا من أشد المعجبين بما بنتجه قلمك المميز وسأتبع طريقتك في استدعاء النوم إذا جاءني أرق.
صوت البحر
شكراً لمرورك يا صوت البحر وإن شاء الله يكون قلمي دائماً عند حسن ظن قرائي وأتمنى ان لا يزورك الأرق أبداً وأن تنعمي دائماً بصحبة النوم العميق والأحلام السعيدة..
بالفعل تأتي أوقات نحتاج فيها للنوم من شدة الأرق وهذا ما أعانية ،جميل أنك دخلت عالم الأحلام وبسبب النوم، سوف أنادي علية وأرى ماذا سيخرج لي في حلمي ولكن الله يستر لا يطلع شي مرعب .خيال رائع في الأحلام.
تحياتي لك
فعلاً يا زهرة اللوتس الله يستر..
خيال حلو ووصف جميل شكراً لك اختي نادية على هذا الطرح الرائع..
هههه
قصة جميلة في الحقيقة
سبحان الله النوم نعمة عظيمة جدا .
لكن أنا اعرف ناس النوم يحبه حب جما وإذا نام ـ نام وإن كان واقفا .
سبحان الله
موضوع جميل جدا جدا جدا ،، تقبلي مروري
ابشع شي عندما تكونين في قمة الاهناك والنعاس وياتيك الارق
في صغري مرت علي ايام لم استطيع النوم فيها واتى يوم ونمت نوم عميق لما استيقظت و (الغمس- اتوقع انه اسمه كذا)في عيني ظننته النوم فابعدته من عيني ووضعته في منديل وادخلته درج الكمود بجانبي لما اتى وقت النوم فتحت المنديل ولم اجده بحثت في المنديل بحثت في الدرج بحثت في كل مكان لم اجده وقلت :يووووه النوم شرد مني
ولكن فعلا النوم شي جميل والارق شي كريه خصوصا في الامتحانات النهائيه شكرا على موضوعك الجميل
جلنار
أهلاً بك ساره نورتي عالمي..
وأتمنى لك دائماً قضاء أمتع الأوقات فيه..
أهلاً بك أخ أسامي..
وأهلاً بمرورك العذب وأسعدني أن أعجبتك القصة..
وجعلنا الله ممن يحبه النوم حباً جما..
آمين..
أهلاً بك جلنار..
أضحكني تعليقك فقصتك طريفة والحمد لله أنك لا زلت تنامين رغم هروب (غمسك) منك..
دمتي بود..
قصة خفيفة لطيفة
أجمل ما فيها هو تخيلك وأكمل عقلك الباطن جمال هذا التخيل
مش هنسي تعال يا نووووووووووم
:)
غريب هو تشبيهك للنوم الأغلبية كان سيصور ذلك العزيز كأنه كنز مفقود يهوى البحث عنه كل ليلة لكن بصراحة تشبيهك جعلني إبتسم وهو ما يجعل تعبيرك فريداً فهنيئاً لكِ بمخيلتك المبدعة
في حفظ الرحمن
LION KING ..
أهلاً بك دائماًوسرني أن أعجبتك القصة..
وأتمنى أن يكون لقلمي وقع جميل دائماً على الجميع..
الأخت منى..
أهلاً بك في عالمي وبالفعل غرابة الخيال هو مايعطي للمبدع بريق خاص لإبداعه..
أشكر كلماتك الرقيقة وأتمنى أن تكوني من قرائي الدائمين..
دمتي بود..
القصة جميلة .. والنوم أجمل وهو نعمة كبيرة لمن عرف الأرق، وأنا أيضا جربته ليالي، لكن طعمه مختلف في آخر مرة جائني الأرق فيها، حيث جعل قلبي وفكري مستيقظان، ولكن جسمي قد ينام.
أهلاً بمرورك الكريم يا الشجرة الأم..
وأتمنى ان لا يعود إليك الأرق أبداً وأن تنعمي بصحبة النوم الجميل..
دمتي بود..
مساك فل وياسمين
حبيبتي نادية ذكرتيني باللذي مضى (;
ههههههههههههههههه فكرة رائعة للنوم
وما اخفيك جربتها ولكن صرت اضحك على الفكرة ولم استطع أن اصيد النوم ههههه
النوم وصفتيه بفتاة جميلة ورائعة هل في المستقبل سوف تصفين لنا الأرق كيف هو ؟؟؟؟؟ اوقع سيكون مرعب
دمتي بحب
راقَ لـ الرّوح مدرَار حرفكِ هـُنـا ../
دمتِ للحُروف أعذًب ريقْ ..~
BoBo
مرحبا بفضاء..
أسعدني مرورك واغرتني فكرة ان أصف الأرق صدقيني لن أصفه إلا وحشاً بشعاً طفيلياً يتدخل في حياة الجميع..
كفانا الله وإياك شره..
وراق للروح مرورك هنا BoBo..
دمت في عالمي أجمل عبير..
إرسال تعليق